الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

348

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

يمنعوا النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، ولا يعرّفوا دينه ، ولا يدفعوا عن أنفسهم حتّى أراد اللّه تعالى لكم الفضيلة ، فساق إليكم الكرامة ، وخصّكم بالنعمة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه ، والإعزاز لدينه ، والجهاد لأعدائه . فكنتم أشدّ الناس على من تخلّف عنه منكم ، وأثقلهم على عدوهّ من غيركم . حتّى استقاموا لأمر اللّه تعالى طوعا وكرها ، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داحرا حتّى أثخن اللّه تعالى لنبيهّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم بكم الأرض ، ودانت بأسيافكم له العرب . ثم توفاّه اللّه تعالى وهو راض عنكم قرير العين بكم ، فشدّوا أيديكم بهذا الأمر . فانّكم أحقّ الناس وأولاهم به . فأجابوه جميعا أن قد وفّقت في الرأي ، وأصبت في القول وكفى بعد ذلك ما رأيت بتوليتك هذا الأمر فأنت مقنع ، ولصالح المؤمنين رضى . فأتى الخبر إلى أبي بكر ففزغ أشدّ الفزغ وقام ومعه عمر فخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة ، فلقيا أبا عبيدة بن الجراح . فانطلقوا جميعا إليها . فأراد عمر أن يبدأ بالكلام ، وقال : خشيت أن يقصر أبو بكر عن بعض الكلام ، فلمّا تجهّز للكلام قال له أبو بكر : على رسلك فستكفى . فتشهد وقال : انّ اللّه تعالى بعث محمّدا بالهدى ودين الحق ، فدعا إلى الإسلام ، فأخذ اللّه بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه . فكنّا معشر المهاجرين أوّل الناس إسلاما ، والناس لنا فيه تبع ونحن عشيرة النبي ، وأوسط العرب أنسابا ليس قبيلة إلّا ولقريش فيها ولادة وأنتم أيضا واللّه الذين آووا ونصروا ، وأنتم وزراؤنا في الدين ، ووزراء النبي وإخواننا في كتاب اللّه ، وشركاؤنا في دينه ، وفي ما كنّا في سرّاء وضرّاء ، واللّه ما كنّا في خير قطّ إلّا كنتم معنا فيه ، فأنتم أحبّ الناس إلينا ، وأحقّ الناس أن لا تحسدوا إخوانكم المهاجرين ، وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة ، واللّه ما زلتم تؤثرون إخوانكم من المهاجرين ،